الدكتور جعفر الهدي.. تأملات تأبينية في إرثه الأدبي والإنساني الأخي.

توفي الدكتور جعفر الهدي الأحد 19 مايو 2024 بعيد توقيعه لتدشين روايته “الغرنيق” في معرض الدوحة للكتاب. لماذا أكتب عن إنسان قابلته ثلاث مرات فقط؟ لأن هذه اللقاءات تركت في نفسي أثراً عميقاً وبصمة لا تُنسى.

بدأت لقاءاتنا في 20 أغسطس 2023 في مقر “أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين” حيث ذهبت مع صديقي العربي الألماني الأستاذ موسى الزعيم لإلقاء محاضرة بعنوان “صورة الآخر وتمثّلاته في الرواية العربية الصادرة في ألمانيا”. دار حديث سريع جمعنا مع الكاتب العُماني الأستاذ صالح البلوشي، رئيس تحرير صحيفة “شؤون عمانية”، والإعلامية العُمانية الأستاذة فايزة محمد صاحبة كتاب “في قلب إيران.. الطواف في ربوع بلاد فارس” ، والأخ الصديق موسى الزعيم، رئيس تحرير مجلة “الدليل” البرلينية الألمانية.

ثم التقيت به في مجمع الدانة في العاصمة البحرينية، وذلك في 29 نوفمبر 2023، حيث تحدثنا مطولاً وتبادلنا الكتب. اتفقنا على أن أستعرض روايته “الشرنقة” مقابل أن يستعرض كتابي. تكرمت مجلة شؤون عمانية بتاريخ 4 أكتوبر 2023 بنشر ملخص الرواية تحت عنوان “عندما نُذْبَح كالحسين بن منصور الحلاج”.

وكان لقاؤنا الأخير عندما تقابلنا يوم 4 فبراير 2024 بدون موعد. تواجدنا بالصدفة في حفل تدشين الأستاذة البحرينية باسمة القصاب لكتابها “إبرة أبو حيّان” الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في صالة “مشق” بمجمع العالي في المنامة.

كان، رحمه الله تعالى، يتواصل معي عبر الجوال بانتظام حول مشروعه للمبادرة المهرجانية “القراءة الخيرية 2024” في مملكة البحرين. طلب مني إنتاج نص قصير ليبثه على “إنستغرام” لتشجيع الناس على القراءة، فنشر لي النص التالي: “كتبي: عوالمي، خيالي، واقعي. فحياة واحدة لا تكفيني. فأنا أقرأ لأعبر عبر الزمان والمكان”.

اتصلت به في العشر الأواخر من رمضان وأخبرته بأنه أنبل دكتور تعرفت عليه بعد عودتي من ألمانيا. اتفقنا على القيام بنشاطات كتابية ومعرفية ثقافية وزيارات ميدانية للتعرف على وجوه البحرين الفكرية.

الإرث الأدبي والدراسي للدكتور جعفر الهدي

كان الدكتور جعفر الهدي عضواً في أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين، وحصل على دكتوراه في إدارة المعرفة من الجامعة العالمية للعلوم بلندن. شغل عدة مناصب أكاديمية وبحثية، وصدر له العديد من الروايات منها “الشرنقة”، “الغرنيق”، “الطائر الأعمى”، “شارع المعارض”، “أكواخ مقمرة”، و”جدار الملح”. بالإضافة إلى ذلك، نشر العديد من الكتب والأبحاث والمقالات في مجالات إدارة المعرفة والاقتصاد المعرفي.

ملخص لرواية “الشرنقة” لجعفر الهدي التي كتبته

عندما نُذْبَح كالحسين بن منصور الحلاج

في روايته “الشرنقة: القفز من طواسين الحلاج”، يستعيد الدكتور جعفر الهدي بحذاقة العلاقة بين تُراث مراقبة النفس الصوفية الحلاجية والواقع النفسي لفرد يعيش في مجتمع العراق الحالي. يُسقط الهدي شخصية الحلاج التاريخية على شخصية “حسين البصراوي”، الذي يعيش في البصرة وسط التحديات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.

الرواية تستنطق “الحقيقة” المعاشة، حيث يعيد الهدي قراءة الحياة الأليمة من خلال المجاز المستمد من حياة الحلاج. تُظهر الرواية صمت المجتمع عن ذبح الحلاج، مشابهة لصمت مدينة غوثام عن ذبح “الجوكر” في الفيلم الأمريكي. تعج مدينة البصرة بالجريمة والبطالة، مما يجعل شرائح السكان محرومة وفقيرة.

الرواية تأخذ قضية ذبح الحلاج إلى آفاق جديدة، مشيرة إلى أن ذبح الإنسان لم يتوقف، بل أصبح أكثر تعقيداً من خلال تحميل الأفراد عاهات نفسية تجعلهم يتحركون بيننا وهم محملون بأقنعة تخفي أنفس شريرة.

في “الشرنقة”، نجد أن حسين البصراوي يتأثر بالظروف العراقية العنيفة قبل 30 عاما، وبعد ذلك بعهود ، يكتشف حسين البصراوي انطلاق تغييرات جذرية في المجتمع العراقي. يتبنى حسين شخصية الحلاج ليصبح مستشاراً لشخصيات تستخدم طواسينه في تعيين وفصل كبار موظفي الدولة الجديدة. تظهر في الرواية تحولاته النفسية والفلسفية، وكيف يتغلغل الصراع الداخلي فيه.

تتناول الرواية قضايا معقدة مثل الهوية والدين والسلطة، وتلقي الضوء على تحولات المجتمع العراقي بعد سقوط نظام صدام، وكيف يتأثر الفرد بالتغيرات الكبيرة في البيئة المحيطة به.

خاتمة

إن إرث الدكتور جعفر الهدي الأدبي والإنساني يستحق التقدير والاعتراف. بكتبه ورواياته، نجح في إيصال أصوات متعددة وأبعاد نفسية واجتماعية عميقة، مما يجعله أحد أبرز الأدباء في الساحة الأدبية البحرينية والعربية.رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

د. محمد الزكري القضاعي/ باحث بحريني 


شعار الخمسينيات

إصدارات الأسرة