"حول الرواية الفلسفية" لعنة العظماء أنموذجاً للروائي محمد الرويعي.

يتعدد مفهوم الفلسفة وفقاً للنمط الإجتماعي السائد والأفكار المتناولة في فترة زمنية محددة إلا أنه يمتد ليصبح أكثر مرونة واتساعاً بحيث يتناول الحالات الفردية للأشخاص فيمكننا القول على إثر ذلك بأن للعاقل فلسفة وللمجنون فلسفة ولكل فرد فلسفته الخاصة، وفي المجمل تعتبر الفلسفة هي دراسة طبيعة الواقع والوجود ودراسة ما يمكن معرفته والسلوك السوي من السلوك الخاص وترتبط بالحكمة إرتباطاً وثيقاً مما يجعلها من أهم مجالات الفكر الإنساني .
وفي سياق ذلك، أبحرنا في رحلةٍ أدبيةٍ فلسفية من نوعٍ خاص مع الكاتب والباحث في التاريخ والفلسفة محمد الرويعي والذي كانت له تجربة أدبية سابقة تمثلت في إصدار توثيقي حول التجربة الديموقراطية في مملكة البحرين بأسرة الأدباء والكتاب تحت إدارة الأستاذة ندى نسيم بحضور رئيس الأسرة الدكتور راشد نجم والعديد من الأدباء والمهتمين في المجال الأدبي والثقافي .

حيث وقف أ. محمد بدايةً على تعريف الرواية الفلسفية ودورها في نقل الفكر الفلسفي مشيراً إلى كونها نوع من الأدب وبمثابة حلم لجميع المفكرين الذين يبقون في تساؤل دائم عن كيفية نقل افكار وانساق جامدة للقراء حيث يتجلى دور الرواية الفلسفية هنا على وجه التحديد والتي من خلالها يتمكن الكاتب من تذويب هذه المفاهيم والمصطلحات الفكرية المعقدة وجعلها في غاية البساطة .

وتعتبر اثينا هي نقطة الإنطلاق للرواية الفلسفية حيث كانت البداية منها والتي ظهرت على نمط الحوارات كما تناولها أفلاطون عبر منجزه " الجمهورية " ثم انتقلت للمسرح على شكل درامي تراجيدي، وقد كان الظهور الأول لها كرواية محركة للعقل من خلال رواية حي بن يقظان للكاتب ابن طفيل الذي نقل أفكار وتساؤلات كبرى عن الوجود عن طريق الجمع بين السرد والرواية عبر تحريك ذهنية القارىء وجعل ملكة التساؤل في عجلة مستمرة لديه .

وعرج أ.محمد على التجربة الروائية الفلسفية في أروربا والتي تمثلت في تمرير الكتاب لأفكارهم من خلال كتاباتهم و تعتبر " جمهورية المدينة الفاضلة " و "رواية المدن الثمان" خير مثال على ذلك حيث يتحدث الكاتب عبرهم عن الفلسفة الاخلاقية والدينية وفقاً لنظرته واعتقاداته الخاصة .
و فيما يتعلق بمدى انتشار الرواية الفلسفية في الوطن العربي أشار الكاتب بوجود عزوف عن الفلسفة - فيما عدا دول المغرب العربي - في هذا الجانب إذ إنها وعلى وجه الخصوص لدى الكثير تعتبر معادية للدين ومادة جامدة ومعقدة يصبها الفيلسوف وفق مصطلحات وتراكيب يصعب على شريحة كبيرة من القراء استيعابها.

وفي هذه التجربة تم اختزال خمسين كتاب لمجموعة من الفلاسفة المتناقضين منهم : هيغل ،نيتشه ،كارل ماركس، سقراط، ابن رشد وغيرهم ويبرز السجال الفكري بينهم في طرح أحدهم لرأيه ومناقضة الطرف الآخر له ويعد هذا السجال هو التحدي الأصعب في التجربة الروائية والذي اضطر معه الكاتب للقراءة الكثيرة والمعمقة بحيث تمكنه من عمل حبكة مشوقة للقارىء .

وقد جائت معظم ردود الفعل للكثير ممن قرئها تشجيعية وذات نقد بناء وهادف .

و نوه أ.محمد بضرورة أن يملك الكاتب للفلسفة الروائية باعتبارها لون أدبي بدأ في شق طريقه في الآونة الأخيرة إلى أن يكون استاذ في الفلسفة أو قارىء متعمق، ذلك أن الفلاسفة سابقاً كانوا يتعمدون الكتابة بأسلوب معقد ينم عن مهارتهم،أما اليوم ونحن على أعتاب المرحلة الانتقالية يتوجب على الكاتب تكسير القديم ومواجهة صعوبة ولادة الجديد .

مؤخراً حظيت الفلسفة بالاهتمام من قبل العديد من الدول المجاورة كجمهورية الإمارات العربية المتحدة التي انشأت بيت الفلسفة وجامعة الشيخ محمد بن زايد والتي استقطبت معظم الفلاسفة في بادرة جميلة للإهتمام بالفلسفة كما استحدثت العديد من جامعات المملكة العربية السعودية تخصص الدبلوم في الفلسفة

أما في عالمنا العربي والإسلامي فإن الرواية الفلسفية ليس لها حضور حتى في معارض الكتاب ويعزى ذلك النفور من القراء إلى جملة من الإعتقادات المبنية على كونها أفكار معقدة ومعادية للدين والأخلاق، فالأغلبية الساحقة لا تملك الهمة لانهاء كتاب فلسفة بحيث يستسلم القارىء للمصطلحات الصعبة .

وفي ظل التحديات التي تواجهها الرواية الفلسفية وجد أ.محمد نفسه مدفوعاً من حيث إهتماماته التاريخية وشغفه للكتابة في روايته الأولى " لعنة العظماء " حيث يلج الكاتب للقراء بحيث يحرك لديهم ملكة الفكر وذلك بما يراه من ضرورة الحاجة الماسة للفلسفة اليوم والتي تقتضي تحطيم الجمود والصمميات و تكديس الأفكار وصولاً للعديد من الفلسفات كالفلسفة الفكرية والدينية وغيرها .

وعطفاً على ما سبق ، فإن الفلسفة وفقاً لرأي الكاتب هي بحث عن الحقيقة و طريقة تساعد القارىء على الخروج من نمطية التفكير المتوارثة عبر اجيال كثيرة .

كما وتطرق الكاتب إلى نقطة إنطلاق فكرة الرواية والتحديات التي كان بصددها علاوةً على ردود الفعل بعد التدشين والأصداء التي تركها هذا المنجز المميز المستوحى اسمه من كلمة للفيلسوف سقراط عبر الإشارة إلى الصعوبة التي واجهها في اختزال افكار صعبة ومعقدة لتسع شخصيات فلسفية يعدون الأهم لتشكيل البنى الفكرية من خلال تأثيرهم في الفكر البشري عبر حقب زمنية متفاوتة في حوار سهل ومبسط للقارىء .

فكان التحدي يتمثل في الجمع بين عنصر التشويق والمتعة وتقديم معرفة جديدة للقارىء إذ أن الفيلسوف يبني هرم يفسر فيه افكاره للعالم ميتافيزيقياً او ايدلوجياً فضلاً عن ضبط الاختزال بحيث يكون غير مخل يتم فيه تذويب الأنساق وتفكيكها بتكون سهلة ومبسطة .

الكاتبة وفاء فيصل.

شعار الخمسينيات

إصدارات الأسرة